الخميس 03 يونيو 2021
20°اسطنبول
27°أنقرة
31°غازي عنتاب
26°انطاكيا
29°مرسين
20° اسطنبول
أنقرة27°
غازي عنتاب31°
انطاكيا26°
مرسين29°
6.45 ليرة تركية / يورو
7.46 ليرة تركية / جنيه إسترليني
1.59 ليرة تركية / ريال قطري
1.54 ليرة تركية / الريال السعودي
5.78 ليرة تركية / دولار أمريكي
يورو 6.45
جنيه إسترليني 7.46
ريال قطري 1.59
الريال السعودي 1.54
دولار أمريكي 5.78

فوائدُ دعم الولايات المتحدّة لم تعد تفوق التكاليف

03 يونيو 2021، 01:12 م
ستيفن والت
ستيفن والت

بقلم عالم السياسة الأمريكي: ستيفن والت

ترجمة: جلال خَشِّيبْ

من مقال منشور في مجلّة السياسة الخارجية

انتهت آخرُ جولةٍ من القتال بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين بالطريقة المعهودة: وقفٌ لإطلاق النار، تركُ الفلسطينيّين في وضعٍ أسوء وعدمُ معالجةٍ للقضايا الأساسية، كما قدّمت الجولة أيضاً أدلّةً أكثر بأنّه ينبغي على الولايات المتحدّة ألاّ تمنح إسرائيل بعد الآن دعماً اقتصادياً، عسكرياً ودبلوماسياً لا مشروطاً. فوائدُ هذه السياسة صفر، كما أنّ تكاليفها عاليةٌ وآخذةٌ في الازدياد. تحتاجُ الولايات المتحدّة إلى إقامة علاقةٍ عاديّةٍ مع "إسرائيل"، لا علاقة خاصّةً معها.

ربّما كان من الممكن تبرير وجود علاقاتٍ خاصّةٍ بين الولايات المتحدّة و"إسرائيل" ذاتَ زمنٍ على أُسسٍ أخلاقية. لقد تمّ النظر إلى خلق دولةٍ يهوديةٍ باعتباره استجابةٌ مناسبةً لقرونٍ من النزعة المُعادية للساميّة العنيفة في الغرب المسيحي، بما في ذلك الهولوكوست على سبيل المثال لا الحصر. مع ذلك كانت الحُجّة الأخلاقية مُقعنةً فقط إذا ما تجاهل المرء تبعات ذلك بالنسبة للعرب الذّين عاشوا في فلسطين لقرونٍ عديدة، وإذا ما اعتقدَ بأنّ "إسرائيل" بلدٌ يتشارك القيم الأمريكية الأساسية.

كانت الصورة هنا أيضا معقدّة. اعتُبرت "إسرائيل" "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، لكنّها لم تكن ديمقراطيةً ليبراليةً كالولايات المتحدّة، أين من المفترض أن تحظى جميع الأديان والأعراق بحقوقٍ متساوية (وإن لم يتحقّق هذا الهدف على نحوٍ مثالي كامل). تماشياً مع الأهداف المركزية للصهيونية، منحت "إسرائيل" لليهود مزايا تفاضلية على الآخرين عبر هندسةٍ للوعي.

مع ذلك، تسبّبت عقودٌ من السيطرة الاسرائيلية الوحشية في القضاء على الحُجّة الأخلاقية للدعم الأمريكي اللامشروط اليوم. قامت الحكومات الاسرائيلية بغضّ النظر عن مشاربها وأشكالها بتوسيع المستوطنات، أنكرت الحقوق السياسية المشروعة للفلسطينيّين، عاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية داخل "إسرائيل" نفسها، واستخدمت القوة العسكرية الاسرائيلية المتفوّقة لقتل وترهيب سكّان غزّة، الضفّة الغربية ولبنان مع شبه إفلاتٍ من العقاب.

نظراً لكلّ هذا، ليس من المستغرب أن تُصدر مؤخّراً كلٌّ من هيومن رايتس ووتش ومنظمّة حقوق الإنسان الإسرائيلية (B’Tselem) تقاريراً جيّدَ التوثيق والإقناع واصفةً هذه السياسات المختلفة باعتبارها نظام فصلٍ عنصريٍ (Apartheid). لقد أدّى الانجراف نحو اليمين في السياسة الداخلية الإسرائيلية وكذا الدور المتنامي للأحزاب المتطرّفة في السياسة الإسرائيلية إلى إحداث مزيدٍ من الضرر بصورة "إسرائيل"، بما في ذلك صورتها بين العديد من اليهود الأمريكيّين.

كان من الممكن في الماضي المُحاججةُ بأنّ إسرائيل كانت رصيداً استراتيجياً ذا قيمةٍ ما بالنسبة للولايات المتحدّة، رغم أنّه تمّ المبالغة غالباً في قيمتها تلك. على سبيل المثال، كان دعم "إسرائيل" أثناء الحرب الباردة سبيلاً فعّالاً لمراقبة النفوذ السوفياتي وكبحه في الشرق الأوسط نظراً لأنّ الجيش الإسرائيلي كان ذا قوةٍ قتاليةٍ أعلى بكثير مقارنةً بالقوات المسلّحة لوكلاء السوفييت كمصر أو سوريا. كما قدّمت "إسرائيل" معلوماتٍ استخباراتيةٍ مفيدةً في بعض المناسبات.

لقد انتهت الحرب الباردة منذ ثلاثين سنة، مع ذلك فإنّ الدعم اللامشروط "لإسرائيل" يخلق اليوم مزيداً من المشكلات لواشنطن أكثر ممّا يحلّ.

لم يكن بإمكان "إسرائيل" أن تفعل شيئاً لمساعدة الولايات المتحدّة في حربيْها على العراق. في الواقع، كان على الولايات المتحدّة أن تُرسل صواريخ منظومةِ الدفاع باتريوت "لإسرائيل" أثناء حرب الخليج الأولى لحمايتها من هجمات صواريخ سكود العراقية.

حتّى وإن كانت "إسرائيل" تستحّق الثناء لتدمير مفاعلٍ نوويٍ سوريٍ ناشئٍ سنة 2007 أو بسبب مساعدتها في تطوير فيروس ستوكسنت (Stuscnet Virus) الذّي تسبّب في ضررٍ مؤقّتٍ لبعض أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، فإنّ قيمتها الاستراتيجية تُعدُّ أقلّ بكثيرٍ عمّا كانت عليه أثناء الحرب الباردة.

علاوةً على ذلك، ليست الولايات المتحدّة مُجبرةً على أن تُقدّم دعماً لا مشروطاً لإسرائيل حتّى تجني فوائداً كهذه.

في غضون ذلك، تستمر تكاليف العلاقات الخاصّة في الارتفاع. كثيراً ما تبدأ الانتقادات المُوجّهة للدعم الأمريكي "لإسرائيل" بالحديث عن أكثر من 3 مليار دولار من المساعدات العسكرية والاقتصادية التّي تُقدّمها واشنطن "لإسرائيل" كلّ سنة، وذلك بالرغم من أنّ "إسرائيل" تُعتبر الآن بلداً ثرّياً يحتّل دخل الفرد فيه المرتبة ال 19 عالميا.

من دون شكّ، هناك طرقٌ أفضل لإنفاق هذه الأموال، إلاّ أنّها تُمثّل قطرةً في بحرٍ بالنسبة للولايات المتحدّة، البلد الذّي تبلغ قيمة اقتصاده 21 تريليون دولار. إنّ التكاليف الحقيقية للعلاقة الخاصّة تكاليفٌ سياسيةٌ بالأساس.

مثلما رأينا خلال الأسبوع الماضي، فإنّ الدعم اللامشروط "لإسرائيل" يجعل من الصعب كثيراً على الولايات المتحدّة الادّعاء بالمكانة الأخلاقية السامية على المسرح العالمي. تُعدُّ إدارة بايدن حريصةً على استعادة وترميم سمعة الولايات المتحدّة وصورتها بعد أربع سنواتٍ قضتها تحت حكم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، فهي تريد أن تُميّز بشكلٍ واضحٍ بين سلوك الولايات المتحدّة وقيَمها من جهة وبين سلوك وقيم خصومها كالصين وروسيا من جهة أخرى.

في خضّم هذه العملية، تريد أن تعيد ترسيخ نفسها باعتبارها المحور الأساسي لنظامٍ دوليٍ قائمٍ على قواعد معيّنة. لهذا السبب أخبر كاتب الدولة للشؤون الخارجية أنتوني بلينكِن مجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدّة بأنّ الإدارة شرعت في وضع "الديمقراطية وحقوق الإنسان في قلب اهتمام سياستها الخارجية".

لكن حينما تقفُ الولايات المتحدّة بمفردها وتستخدم حقّ النقض "الفيتو" ضدّ ثلاث قراراتٍ منفصلةٍ مُقترَحةً من مجلس الأمن لوقف إطلاق النار، فهي تُعيد التأكيد على نحو متكرّرٍ "حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، مُرخّصةً إرسال أسلحةٍ إضافيةٍ لإسرائيل بقيمة 735 مليون دولار.

في حين تُقدّم للفلسطينيّين خطاباً بلاغياً فارغاً عن حقّهم في العيش بحريّةٍ وأمنٍ مع دعم حلّ الدولتيْن (لم يعد هذا الخيار الأخير يُأخذ على محمل الجدّ من قِبل عددٍ قليل من أهل المعرفة).

إنّ ادّعاءها بتبنّى موقفاً أخلاقياً متفوّقاً يبدو ادّعاءً مكشوفاً أجوفاً يعتريه النفاق. سارعت الصين، على نحوٍ مثيرٍ للدهشة، في تقديم انتقادٍ قاسٍ للموقف الأمريكي، إذ سلّط وزير الخارجية الصيني وونغ يي (Wang Yi) الضوء على عجز الولايات المتحدّة في العمل كوسيطٍ مُنصفٍ، كما عرض استضافة محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية بدلاً عن الولايات المتحدّة.

ربّما لم يكن عرضاً جادّا، لكن بالكاد يُمكن لبيجين أن تفعل ما هو أسوء ممّا فعلته الولايات المتحدّة في العقود الأخيرة. تتمثّل التكلفة الدائمة الأخرى "لعلاقة الخاصّة" في العلاقات غير المتناسبة للسياسة الخارجية مع استحواذ إسرائيل. يُواجه كلٌّ من بايدن، بلينكن ومستشار الأمن القومي جاك سوليفان مشاكل أكبر تستحّق القلق بشأنها مقارنةً بسلوكات بلدٍ شرق أوسطيٍ صغير.

مع ذلك ها هي الولايات المتحدّة متورّطةٌ مرّةً أخرى في أزمةٍ من صنيعها إلى حدٍّ كبيرٍ تتطلّب تركيزها وتأخذ وقتاً ثميناً منها مُعبدةً إيّاها عن التعامل مع قضايا أخرى كتغيّر المناخ، الصين، الجائحة، فكّ الارتباط مع أفغانستان، الانتعاش الاقتصادي ومجموعة كبيرة من المشكلات الأكثر ثقلا.

إذا كان للولايات المتحدّة علاقاتٌ عاديّةٌ مع "إسرائيل" فستحظى الأخيرة بالاهتمام الذّي استحقّته لا أكثر.

ثالثا، يُعقّدُ الدعم اللامشروط "لإسرائيل" جوانباً أخرى من الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط. سيكون التفاوض على اتفاقيّةٍ جديدةٍ لدحر قدرات أسلحة إيران النووية ووضع حدٍّ لها أسهل بكثير إذا لم تواجه الإدارة معارضةً مستمرةً من حكومة نتنياهو، فضلاً عن المعارضة المتصلّبة للعناصر المتشدّدة من اللوبي الإسرائيلي هنا في الولايات المتحدّة.

مرّةً أخرى، سوف تساعد إقامة علاقةٍ عاديّةٍ طبيعيةٍ مع البلد الشرق أوسطي الوحيد الذّي يمتلك أسلحةً نووية جهود الولايات المتحدّة طويلة الأمد للحدّ من الانتشار النووي في أماكن أخرى.

إضافةً إلى أنّ الرغبة في حماية "إسرائيل" تُجبر الولايات المتحدّة على الدخول في علاقاتٍ مع حكوماتٍ شرق أوسطيةٍ أخرى ليس لها إلاّ القليل من المعنى الاستراتيجي أو الأخلاقي.

إنّ تأييد الولايات المتحدّة للدكتاتورية البغيضة في مصر (بما في ذلك تجاهل الانقلاب العسكري الذّي دمّر ديمقراطية البلد الوليدة سنة 2011)، يهدف في جزءٍ منه إلى إبقاء مصر في علاقةٍ جيّدةٍ مع "إسرائيل" ومعارضة حماس.

صارت الولايات المتحدّة كذلك أكثر استعداداً للتسامح مع الانتهاكات المرتكبة من قِبل المملكة العربية السعودية (بما في ذلك حربها الجويّة في اليمن واغتيال الصحفي المعارض جمال خاشقجي) مع تعمّق الانحياز الضمني للرياض مع "إسرائيل".

رابعا، ساعدت عقودٌ من الدعم اللامشروط "لإسرائيل" في خلق خطر الإرهاب الذّي واجهته الولايات المتحدّة. كان أسامة بن لادن وشخصياتٌ أساسيةٌ أخرى في القاعدة واضحين وضوح الشمس في هذه النقطة: يُعتبر كلٌّ من الدعم الأمريكي الراسخ "لإسرائيل" والمعاملة الإسرائيلية القاسية للفلسطينيّين أحد الأسباب الرئيسية التّي دفعتهم إلى مهاجمة "العدّو البعيد".

لم يكن ذلك هو السبب الوحيد، لكنّه لم يكن مصدر قلقٍ تافه أيضا، فكما كتب التقرير الرسمي للجنة 11 سبتمبر بشأن خالد الشيخ محمّد، الذّي وصفه بكونه "المهندس الرئيسي" للهجوم: "وفقاً لروايته، فإنّ عداوة خالد شيخ محمّد تجاه الولايات المتحدّة لم تنبع من تجاربه كطالبٍ هناك، لكن من اختلافه العنيف مع السياسة الخارجية للولايات المتحدّة المُفضِّلة لإسرائيل"، لم تختفِ لو كان للولايات المتحدّة علاقةٌ عاديّةٌ مع "إسرائيل"، إلاّ أنّ موقفاً أكثر انصافاً وقابليّةً للدفاع عنه من الناحية الأخلاقية من شأنه أن يُساعد على تقليل حدّة المواقف العدائية تجاه الولايات المتحدّة التّي ساهمت في صنع التطرّف العنيف خلال العقود الأخيرة.

ترتبط العلاقة الخاصّة أيضاً بالمغامرات الكثيرة الفاشلة في الشرق الأوسط، بما في ذلك قرار غزو العراق سنة 2003. لم تحلم "إسرائيل" بهذه الفكرة السخيفة –إذْ يستحّق المحافظون الجدد الموالون "لإسرائيل" في الولايات المتحدّة هذا الشرف المشكوك فيه-كما عارض بعض القادة الإسرائيليون الفكرة في البداية وأرادوا من إدارة جورج بوش الابن بدلاً من ذلك التركيز على إيران.

لكن بمجرّد أن قرّر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بأنّ الإطاحة بالقائد العراقي صدّام حسين آنذاك من شأنها أن تكون خطوةً أولى في برنامجٍ أوسع لإحداث "تحوّلٍ إقليمي"، انخرط في اللعبة مسؤولون إسرائيليون سامون (بمن فيهم نتنياهو ورئيسيّ الوزراء الأسبقيْن إيهود باراك وشمعون بيريز) وراحوا يساعدون في إقناع الشعب الأمريكي بالحرب.

كتب باراك وبيريز مقالاتٍ للمُحاججة بذلك وظهروا بوسائل إعلامٍ أمريكيةٍ ترويجاً لدعم الحرب، كما ذهب نتنياهو إلى الكابيتول هيل لتسليم رسالةٍ مُماثلة إلى الكونغرس.

على الرغم من أنّ الدراسات المسحيّة أظهرت بأنّ اليهود الأمريكيّين يميلون إلى أن يكونوا أقلّ دعماً للحرب من الجمهور عموما، إلاّ أنّ لجنة الشؤون العامّة الأمريكية الإسرائيلية ومنظمّات أخرى تابعة للوبي الإسرائيلي ألقت بثقلها وراء "حزب الحرب" أيضا.

لم تتسبّب العلاقات الخاصّة في الحرب، لكنّ الارتباطات الوثيقة بين البلدين ساعدت في تعبيد الطريق لها. إضافةً إلى ذلك فقد جعلت العلاقات الخاصّة –والشعار المألوف القائل بالتزام الولايات المتحدّة غير المتزعزع تجاه إسرائيل- من كونك مؤيّداً لإسرائيل اختباراً حاسماً للخدمة لصالح الحكومة، كما منعت أيّاً من الأمريكيّين القادرين على المساهمة بمواهبهم وتفانيهم في الحياة العامّة من ذلك.

لا يُشكّل كونك داعماً "لإسرائيل" بحماسةٍ عائقاً أمامك لبلوغ منصبٍ رفيعٍ في الحكومة، ولكن حتّى لكونك منتقداً معتدلاً فذلك يعني ورطةً فوريةً تطال أيّ شخصٍ تمّ تعيينه. يُمكن النظر إلى "الموالي لإسرائيل" على نحوٍ غير كافٍ كأمرٍ مُعرقلٍ للتعيّين في منصب ما –مثلما حدث حينما تمّ اختيار الدبلوماسي المُخضرم ومساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق تشاس فريدمان (Chas W. Freeman) على نحوٍ أولّي لرئاسة مجلس الاستخبارات الوطني عام 2009 – أو يُمكن أن يُجبَر المرشّحون على القيام بأعمالٍ مُهينةٍ تُشعر صاحبها بالندم ونُكران الذات.

تُعدُّ قصّة كولن كال (Colin Kahl) (الذّي حصل ترشيحه لمنصب وكيل سكريتير الدفاع للسياسات بالكاد على موافقة مجلس الشيوخ رغم أنّ له أوراق اعتمادٍ لا تشوبها شائبة) مثالاً آخر عن هذه المشكلة، فضلاً عن العديد من الأفراد ذوي التأهيل الجيّد الذّين لم يتّم حتّى النظر في تعيينهم بسبب أنّ الفِرق الانتقالية لا ترغب في استدعاء ما يُثير الجدل إلى صفوفها.

دعوني أؤكّد لكم بأنّ المخاوف لا ترتبط بكون أمثال هؤلاء الأفراد لم يكونوا مُكرّسين بشكلٍ كافٍ لخدمة الولايات المتحدّة، بل كان الخوف متمثّلاً في أنّهم قد لا يكونون ملتزمين على نحوٍ صريحٍ بمساعدة بلدٍ أجنبي.

يمنع هذا الوضع غير الصحّي كُلاًّ من الإدارات الديمقراطية والجمهورية من السعي خلف أفضل المواهب ويُضيف مشكلةً أخرى إلى التضليل المتنامي الذّي يعتري الخطاب الأمريكي العام.

يتعلّم خبراء السياسات الطموحين بسرعة عدم قول ما يُفكّرون به حقيقةً بشأن القضايا المتعلّقة "بإسرائيل"، بدلاً من ذلك فهم يتفوّهون بالتفاهات المألوفة حتّى عندما تتعارض مع الحقيقة. حينما ينشب نزاعٌ شبيه بالعنف الأخير في غزّة، يتقلّب المسؤولون العاملون وسكريتاريات الصحافة في مناصبهم، محاولين عدم قول أيّ شيئٍ قد يُوقعهم أو يُوقع رؤساءهم في ورطةٍ ما.

لا يتمثّل الخطر في أنّهم سيمُسَكون لكذبةٍ ما، بل يكمن الخطر الحقيقي في أنّهم قد يتكلّمون بالحقيقة بشكلٍ عفويٍ من غير قصد. كيف يُمكن للمرء أن يحظى بمناقشةٍ صادقةٍ حول الاخفاقات المتكرّرة لسياسة الولايات المتحدّة في الشرق الأوسط حينما قد تكون هناك عواقبٌ مِهنيّةٌ كالحةٌ ناتجةٌ عن تحدّي وُجهات النظر التقليدية؟

من المؤكّد بأنّ صدوعاً في العلاقة الخاصّة بدأت في الظهور الآن، فمن السهل الحديث عن هذا الموضوع مقارنةً بما كان الأمر عليه من قبل (بافتراض أنّك لا تأمل في الحصول على وظيفةٍ في وزارة الخارجية أو الدفاع)، وقد ساعد أفرادٌ شجعانٌ مثل بيتر بينارت وناثان ثرال (Peter Beinart and Nathan Thrall) في اختراق حجاب الجهل الذّي طالما أحاط بهذه المسائل.

لقد غيّر بعض المؤيّدون "لإسرائيل" مواقفهم بطرقٍ تمنحهم رصيداً أعظم. في الأسبوع الأخير فقط، نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالاً يشرح على نحوٍ مُفصّلٍ حقائق النزاع بطريقةٍ غير معهودةٍ من قبل، إذْ تفقدُ الكليشيهات المألوفة "المتعلّقة بحلّ الدولتين" و"حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها" قوتّها التعويذية السحرية، وحتّى بعض أعضاء مجلسيْ الشيوخ والنواب قد جعلوا مواقفهم الداعمة "لإسرائيل" مؤخّراً أكثر اعتدالاً من الناحية الخطابية على الأقل.

إلاّ أنّ السؤال الرئيسي يتمثّل في ما إذا كان هذا التغيير في الخطاب سيؤدّي إلى تغييرٍ حقيقيٍ في سياسة الولايات المتحدّة ومتى سيتّم ذلك؟

لا تُعدُّ الدعوة لإنهاء العلاقة الخاصّة مرافعةً لأجل المقاطعة، سحب الاستثمارات وفرض العقوبات على "إسرائيل" أو إنهاء كلّ الدعم الأمريكي لها.

بدلاً من ذلك فهي دعوةٌ للولايات المتحدّة لأن تحظى بعلاقةٍ عاديّة مع إسرائيل على غرار علاقات واشنطن مع أغلب البلدان الأخرى. مع وجود علاقاتٍ عاديّة، ستُدعّم الولايات المتحدّة "إسرائيل" حينما تقوم الأخيرة بأشياء تتماشى مع مصالح الولايات المتحدّة وقيمها، كما ستنأى بنفسها عنها حينما تتصرّف "إسرائيل" بطريقةٍ مغايرة. هكذا، لن تحمي الولايات المتحدّة "إسرائيل" بعد الآن من إدانة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدّة إلاّ حينما تستحّق "إسرائيل" هذه الحماية بوضوح.

لن يُحجِم المسؤولون الأمريكيّون عن الانتقاد المباشر والصريح لنظام الفصل العنصري "لإسرائيل". سيكون السياسيّون، النقّاد وصنّاع السياسات أحراراً في الثناء على سلوكيات "إسرائيل" أو انتقادها –كما يفعلون بشكلٍ روتيني مع البلدان الأخرى- من دون الخوف من فقدان وظائفهم أو تعرّضهم للدفن في حملاتٍ من التشهير المتناغمة ذات الدوافع السياسية المُضرّة بسمعتهم.

لا تعني علاقةٌ عاديّةٌ حدوث طلاقٍ بين البلدين: ستستمر الولايات المتحدّة في التجارة مع "إسرائيل" وستظلّ الشركات الأمريكية في تعاونٍ مع نظيراتها الاسرائيلية في أيّ عددٍ من المشاريع. سيظّل الأمريكيّون يزورون الأراضي المقدّسة وسيُواصل الطلبة والأكاديميون من البلديْن الدراسة والعمل في جامعات بعضهم البعض.

يُمكن للحكومتيْن الاستمرار في تشارك المعلومات الاستخباراتية حول بعض المسائل والاستشارة المُتكّررة بخصوص مجموعةٍ من مواضيع السياسة الخارجية.

لا يزال بإمكان الولايات المتحدّة أن تقف على أُهبة الاستعداد لتقديم العون "لإسرائيل" إذا ما كان بقاءها معرّضٌ للخطر كما قد يكون الحال مع دولٍ أخرى. ستظلّ واشنطن تُعارض أيضا وعلى نحوٍ شديدٍ معاداة الساميّة الأصيلة في العالم العربي وفي بلدانٍ أجنبية أخرى وفي ساحتها الخلفية أيضا.

يُمكن لعلاقةٍ عاديّةٍ أكثر أن تفيد "إسرائيل" أيضا. لقد سمح الدعم الأمريكي المُطلق "لإسرائيل" لفترةٍ طويلةٍ الآن بمتابعة سياساتٍ كان لها نتائج عكسية على نحوٍ متكرّر، كما وضعت مستقبلها موضع شكٍّ أعظم على المدى البعيد.

يأتي على رأس هذه السياسات المشروع الاستيطاني نفسه والرغبة غير الخفيّة إطلاقاً في خلق "إسرائيل الكبرى" التّي تشمل الضفّة الغربية وتحصر الفلسطينيّين في أرخبيلٍ من الجيوب المعزولة عن بعضها البعض.

لكن، يُمكن للمرء أن يُضيف إلى القائمة غزو لبنان سنة 1982 الذّي أنتج حزب الله، الجهود الاسرائيلية السابقة لتقوية حماس إضعافاً لفتح، الهجوم المُميت على سفينة الإغاثة "مرمرة الزرقاء" التّي كانت مُتوجّهةً إلى غزّة شهر ماي 2010، الحرب الجويّة الوحشية على لبنان سنة 2006 والتّي جعلت حزب الله أكثر شعبيةً وكذا الاعتداءات السابقة على غزّة سنة 2008، 2009، 2012 و2014.

كما أنّ عدم إرادة الولايات المتحدّة في جعل المساعدات مشروطةً بمنح "إسرائيل" الفلسطينيّين دولةً قابلةً للحياة ساعدت أيضاً في القضاء على عملية أوسلو للسلام وتبديد الفرصة الأفضل لحلٍّ حقيقيٍ يقوم على دولتيْن.

 

من شأن وجود علاقةٍ عاديّةٍ أكثر –تلك التّي كان فيها الدعم الأمريكي مشروطاً، لا تلقائيا- أن يُجبر الإسرائيليّين على إعادة النظر في مسارهم الحالي وبذل المزيد من أجل تحقيق سلامٍ حقيقيٍ ودائم.

سيتعيّن عليهم، خصوصا، إعادة التفكير في الاعتقاد بأنّ الفلسطينيّين سوف يختفون ببساطة وأن يبدأوا التفكير في حلولٍ من شأنها ضمان الحقوق السياسية لليهود والعرب على حدٍ سواء.

لا تُمثّل مقاربة قائمةً على الحقوق ترياقاً شافياً وستواجِه العديد من العقبات، مع ذلك من شأنها أن تكون متسّقةً مع القيم المُعلن عنها للولايات المتحدّة وتُوفّر مزيداً من الأمل للمستقبل مقارنةً بما تفعله "إسرائيل" والولايات المتحدّة اليوم. الأهمّ من ذلك كلّه أنّ من شأنها أن تُجبر "إسرائيل" على بدأ تفكيك نظام الفصل العنصري الذّي أنشأته على مدى العقود العديدة السابقة، فحتّى الولايات المتحدّة ستجدُ صعوبةً على نحوٍ متزايدٍ في الحفاظ على علاقةٍ عاديّةٍ إذا ظلّ هذا النظام يعمل بشكلٍ سليم.

كما لا يُلمّح أيٌّ من هذه المواقف إلى أدنى موافقةٍ أو دعمٍ لحماس التّي تُعتبر "مذنبةً" على قدم المساواة في جرائم الحرب المُرتكبَة في القتال الأخير.

هل أتوقّع أن تجد هذه التغيّرات المُوضّحة هنا مكاناً لها في أيِّ وقتٍ قريب؟ لا أتوقّع ذلك. بالرغم من أنّ علاقةً عاديّةً مع إسرائيل –على غرار العلاقات التّي تحظى بها الولايات المتحدّة مع جميع دول العالم تقريباً- لا ينبغي أن تكون فكرةً مثيرةً للجدل بشكلٍ خاصّ، إلاّ أنّه لا تزال هناك مجموعاتُ مصالحٍ قويّةٍ تُدافع عن العلاقة الخاصّة، كما لا يزال يوجد كثيرٌ من السياسيّين العالقين في رؤيةٍ قديمةٍ للمشكلة.

مع ذلك، قد يكون التغيير وشيكاً وأكثر رجوحاً ممّا قد يعتقد المرء، وهذا هو السبب الذّي يجعل المدافعين عن الوضع القائم يسارعون إلى تشويه أيّ شخصٍ يقترحُ بدائلاً ما وتهميشه.

يُمكنني أن أتذكّر متى كان بالإمكان التدخين على متن الطائرات، "متى كان زواج المثليّين أمراً غير قابلٍ للتخيّل"، متى حكمت موسكو أوروبا الشرقية بقبضةٍ من حديد، ومتى اعتقد بعض الناس غرابةً في رؤية النساء والمولوّنين ناذراً في مجالس الإدارة أو كليّات الجامعات أو في المناصب العامّة.

لكن، وبمجرد أن تصير المناقشة العامّة لموضوع ما أكثر انفتاحاً وصدقا، فإنّ المواقف التّي عفا عليها الزمن بإمكانها أن تعرف تغيّراً بسرعةٍ مفاجئة، وما كان يوماً ما أمراً غير قابلٍ للتصوّر، بإمكانه أن يصير اليوم أمراً ممكناً أو حتّى عاديّا.

ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية بمدرسة كيندي روبرت ورينيه بِلفور التابعة لجامعة هارفرد بالولايات المتحدّة.

يُعتبر والت أحد الروّاد المعاصرين للمدرسة الواقعية، سبق له وأن أصدر كتاباً مشتركاً مع زميله جون ميرشايمر من جامعة شيكاغو نال صيتاً واسعاً داخل الولايات المتحدّة وخارجها، لاسيما في العالم العربي حمل عنوان: “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية” سنة 2006.

تسبّب الكتاب في تعرّض الباحثيْن لتهمة معاداة السامية، بعدما حاججا فيه بنبرةٍ ناقدةً وصريحةً بضرورة إعادة النظر في العلاقات الثنائية الخاصّة بين الولايات المتحدّة و"إسرائيل"، إذ تُنفق واشنطن لأجل هذه العلاقة ميزانيةً كبيرةً ورصيداً سياسياً، استراتيجياً وأخلاقياً لا علاقة له بمصالحها الحيوية حول العالم.