الجمعة 27 يناير 2023
20°اسطنبول
27°أنقرة
31°غازي عنتاب
26°انطاكيا
29°مرسين
20° اسطنبول
أنقرة27°
غازي عنتاب31°
انطاكيا26°
مرسين29°
6.45 ليرة تركية / يورو
7.46 ليرة تركية / جنيه إسترليني
1.59 ليرة تركية / ريال قطري
1.54 ليرة تركية / الريال السعودي
5.78 ليرة تركية / دولار أمريكي
يورو 6.45
جنيه إسترليني 7.46
ريال قطري 1.59
الريال السعودي 1.54
دولار أمريكي 5.78

لا دخان يتصاعد من واشنطن بعد زيارة جاويش أوغلو

22 يناير 2023، 10:24 م
لا دخان يتصاعد من واشنطن بعد زيارة جاويش أوغلو

د. باسل معراوي

كاتب وسياسي سوري

22 يناير 2023 . الساعة 10:24 م

تاريخياً كانت العلاقات التركية الأمريكية ممتازة، فمنذ انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وبعد اتفاقية لوزان 1923 وظهور شكل الدولة التركية الحالية، تبنّت الحكومات التركية المتعاقبة النمط الغربي في السياسة والاقتصاد، بل وطبقت علمانية صلبة قطعت بين تاريخ الدولة العثمانية الإمبراطوري الإسلامي وبين توجّهاتها المستقبلية، وحاولت الدولة الأتاتوركية الجديدة تغريب المجتمع التركي عن ثقافته وهويّته الدينية وكانت تركيا الحديثة تُقدّم نفسها على أنّها دولة غربية تتماهى مع الغرب ثقافةً واقتصاداً وسياسةً.

ولم تكتفِ بذلك بل أصبحت الدولة التركية عضواً رئيسياً في حلف شمال الأطلسي منذ بدايات تأسيسه وانضمت رسمياً للحلفاء في آخر ثلاثة أشهر من الحرب العالمية الثانية، في سعي من الغرب لاعتبارها أحد الحلفاء المنتصرين بالحرب وجعلها إحدى دعائم التحالف الغربي مستقبلاً.

كانت تركيا تُعتبر أحد مكوّنات الستار الحديدي الرئيسية، المضروب حول الاتحاد السوفييتي الحائل بينه وبين التمدّد للشرق الأوسط والمياه الدافئة.

وبسقوط الاتحاد السوفييتي لم تتغير أهمية التموضع الجيوسياسي لتركيا كأحد مكونات حلف الناتو وسارت العلاقات مع الولايات المتحدة بشكل طبيعي مع وجود خلافات طبيعية توجد عادة بين الحلفاء، إلى أن اندلعت الثورة السورية وبدأت التباينات في المواقف تتجذّر رويداً رويداً إلى أن بدأت الخلافات تطفو على السطح ولم يعد بالإمكان إخفاؤها.

ولم تكن خلافات سياسية آنية أو تباين رؤى مرحلية ووجهات نظر، بل أخذت تنحو مناحي أكثر عُمقاً بما يمكن اعتباره خلافات استراتيجية تمحورت حول نظرة كل طرف إلى الميليشيا الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي تراها أنقرة ميليشيات إرهابية تتبع لحزب إرهابي هو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي (العدو اللدود لأنقرة) فيما لا تشاطرها واشنطن هذا الرأي، مع أنّها تُصنف منذ مدة بعيدة حزب العمال التركي كمنظمة إرهابية، بل واعتمدت واشنطن تلك الميليشيات بعد تطعيمها بمكونات عربية عشائرية على مستويات ليست ضمن دائرة القرار، وشكّلت ما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية حليفها وذراعها الأرضي في الحرب على داعش في سوريا.

أخذت الخلافات التركية – الأمريكية تزداد عُمقاً بعد عام 2015 واتهام أنقرة لواشنطن بدعم عملية الانقلاب الفاشل في تموز 2016 وتقديمها الحماية والرعاية لفتح الله غولن الذي تمّ اتهامه رسمياً بتدبير تلك المحاولة، وبعد هزيمة تنظيم داعش رسمياً وإعلان ذلك على الملأ من قبل الرئيس السابق دونالد ترامب، انتظرت أنقرة انسحاباً أمريكياً بعد تنفيذ المهمة المعلنة ولم يحصل ذلك، بل إنّ ما يعرف بالإدارة الذاتية تمادت في تطبيق برنامجها على الأرض الذي لا يدع مجالاً للشك أن دويلة كردية في الخاصرة التركية هي الهدف الأمريكي الحقيقي، وما الحرب على داعش إلا استغلال للحدث للوصول إلى الهدف المنشود، وهذا يَمسّ صميم الأمن القومي وبنية الدولة والسلم الاجتماعي التركي، وهو خطر يُجمع عليه كل الأتراك ولا يختلفون في طرق التصدي له بمختلف الوسائل والأشكال.

تلك المخاوف التركية قرّبت أنقرة من شريكيها في منصة أستانا، وقَطَع التنسيق مع روسيا خطوات كبيرة وعميقة وليس في سوريا، فحسب بل في كثير من الملفات.

يرى بعضهم أنه من أسباب التدخل الروسي العديدة في سوريا هو كسب تركيا إلى جانبه أو تحييدها على الأقل وإحداث صدع عميق في حلف الناتو، وقد نجح الرئيس الروسي في ذلك إلى حد كبير.

ومن أهم أسباب الحُنق التركي على الولايات المتحدة هو المفاضلة بين الدولة التركية العظيمة والحليف التاريخي وقوات قسد، تركيا التي تعتبر الجدار الذي يحمي الشرق الأوسط ومنابع الطاقة وخطوط نقلها من الخصمين الروسي والإيراني.

وتركيا تلك الدولة الأنموذج وقائدة الأمة التركمانية التي سيكون لها دور مستقبلي بِكبح جماح أي تمدد صيني عبر طرق الحرير العابرة لقارة آسيا، الدولة المسلمة السنية الحديثة التي يمكن اعتبارها كنموذج للإسلام السني المعتدل إذا ما وصل لقيادة الدول، والتي تتموضع في ملتقى قارات العالم القديم.

وعندما يكون مطلوباً موقف أمريكي بالمفاضلة، لا تتخلى الولايات المتحدة عن قسد.

وبعد رفض أمريكي واضح وصريح لأي عملية عسكرية تركية في الشمال السوري، وبعد إخلال واشنطن بكل تعهداتها السابقة من اتفاق منبج 2018 القاضي بإبعاد قسد عن المدينة وصولاً لتعهدات واشنطن في خريف 2019 بالسعي لإبعاد قسد عن الحدود التركية كشرط تركي لإيقاف عملية نبع السلام.

حتى إنّ بروز دور تركيا المحوري في الحرب الدائرة في أوكرانيا لم يؤدِ إلى زحزحة الموقف الأمريكي بعدم الموافقة على عملية عسكرية لوّحت بها أنقرة في أيار وحزيران من العام الماضي، حتى بعد تفجير إسطنبول الإرهابي في تشرين الثاني الماضي، لم توافق الولايات المتحدة على عملية عسكرية تركية، بل اكتفت بإجراءات تعتبرها واشنطن أقصى ما يمكنها تقديمه لأنقرة، في حين لا تَعتبرها أنقرة تُلبي المطالب الدنيا لها، وهنا برز الخلاف العميق والاستراتيجي بين البلدين بمقاربتهما للملف السوري عامة وفي الشمال الشرقي خاصة.

ولم تعد السياسة التركية تنتظر خيراً من أي موقف أمريكي قادم، فأخذت الخيار (ب) بعد قمة طهران في تموز من العام الماضي بالسير في رِكاب خطط مناهضة للولايات المتحدة في سوريا بالتعاون مع روسيا وإيران، وحديثاً بالمصالحة مع نظام الأسد لتشكيل محور مناكف للسياسات الأمريكية في سوريا.

أجواء زيارة وزير الخارجية التركي لواشنطن

بعد ترجمة التصريحات التركية باتجاه مصالحة مع نظام الأسد تَمّ إجراء لقاء عالي المستوي بين وزيري دفاع البلدين في موسكو، ويمكن اعتباره بدون أدنى شكّ أنه لقاء سياسي بين وزير في حكومة تركية ووزير من حكومة النظام ولن يحجب تلك الصورة تسمية بعضهم له، بأنه لقاء أمني عسكري لم يرتقِ لمرتبة الاتصال السياسي، فلو كان محور الاجتماع البحث في ملفات عسكرية أسوة بالملفات الأمنية لحضر رئيس الأركان التركي أو أي ضابط مهني تركي رفيع المستوى.

وعلى وقع تأجيل اللقاء المرتقب بين الوزير مولود جاويش أوغلو ونظيره فيصل المقداد لبعد جولة واشنطن، حضر إلى تركيا وزير الخارجية الإيراني حاملاً ملفّات هامة تنتظر قرارات سريعة من الرئيس، فصحبه وزير الخارجية التركي للقاء الرئيس أردوغان قبل أن يَجتمع به الوزير مُنفرداً وفقاً للقواعد المتبعة بين الدول، وموضوع لقاء الوزير الإيراني بالرئيس التركي يحدد لاحقاً على ضوء ما تم بحثه بين الوزيرين.

كان المؤتمر الصحفي للوزيرين التركي والإيراني حارّاً وحافلاً بتبادل عبارات صديقي العزيز من كلا الطرفين، وأبديا عدم رضاهما على مستويات التبادل التجاري ورفعها لأقصى حد ممكن وأعربا عن إصرارهما على متابعة التنسيق السياسي والتحضير لزيارة قريبة للرئيس الإيراني إلى دمشق ومن ثَمّ أنقرة.

سافر وزير الخارجية التركي إلى واشنطن لحضور اجتماعات “آلية التنسيق الاستراتيجي الأمريكي – التركي” والتي تُعقد دورياً وليس لمهمة محددة مع كثرة الملفات العالقة بين البلدين ومن أهمّها وأكثرها تباعداً الملف السوري.

ما كان يُسرّب للإعلام عن ورقة نقلها جيمس جيفري بشكل غير رسمي عبر لقائه مسؤولين أتراك تَتَضمّن خُططاً أمريكية للتنسيق أكثر بين قسد وممثلها السياسي مسد، والمعارضة السورية عبر جيشها الوطني والائتلاف مع خطط أمريكية لتأمين مصالحة بين المجلس الوطني الكردي (القريب من تركيا) وحزب الاتحاد الديمقراطي، وتفعيل المشاركة العربية عسكرياً ومدنياً ضِمن قوات سوريا الديمقراطية، بل وإعادة إحياء ألوية عربية تُمسك بزمام محافظتي الرقة ودير الزور للتقليل من نفوذ الـ(PYD) إلا أن تلك الورقة وإن صحّت فإنّها لاقت رفضاً تركياً.

ويحمل أوغلو ملفات مهمة كملف إحالة الإدارة الأمريكية لطلب تركيا شراء لطائرات F16 جديدة والعودة لبرنامج صناعة طائرات F35، وتحديث ما هو موجود من المقاتلات التركية – الأمريكية الصنع، إضافة للتهديد التركي بعدم منح موافقة على انضمام السويد وفنلندا لحلف الناتو، ومشروع أنابيب للطاقة تنطلق من أذربيجان لتعبر عدة دول وتصل إلى تركيا (وهذا الملف حظي بموافقة أمريكية).

وسبق وصول الوزير التركي تصريحات لـ “بوب مندينيز” (الديمقراطي ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ) عن النية برفض طلب الإدارة بيع تركيا مقاتلات جديدة.

ما لمسه المراقبون من محادثات الوزير التركي مع نظيره الأمريكي:

  1. صمت مطبق ولا يرافقه أي حفاوة أو ضجيج إعلامي.
  2. عدم عقد مؤتمر صحفي مشترك بين الوزيرين في نهاية الزيارة لاطلاع الإعلام على ما تمّ الاتفاق عليه، بل اكتفت الخارجية الأمريكية ببيان دبلوماسي يتكلم بالعموميات.
  3. الاكتفاء بتصريحات تصدر عن الخارجية، كالالتزام بتطبيق مفردات القرار الدولي 2254 وقيادة سوريا لعملية السلام، والتأكيد على السعي لمحاربة الإرهاب المتمثل بالـ(PKK) وداعش والـ(PKK) بالمفهوم الأمريكي تعني حزب العمال التركي وليس ما تقوله أنقرة أنّ قسد تتبع له، وتصريحات من قبيل التأكيد على التحالف القديم والاستراتيجيات الدفاعية (وهو بالأصل كلام لا قيمة له لأن البلدان حلفاء في الناتو منذ تأسيسه).

ويرى بعضهم أنّ تلك الأجواء والتصريحات قِيلت للتورية عن كلام لا يرى الجانبان فائدة من قوله الآن، وهي عدم الاتفاق على كثير من الملفات وأهمّها الملف السوري، ويبدو أنّ ملف قسد فوق تفاوضي بالنسبة للولايات المتحدة وأن دخاناً أبيض أو رمادي لم يتصاعد من قاعة الاجتماعات في الخارجية الأمريكية، بل ربما يكون دخاناً أسود، يشي بمرحلة تصعيد كبرى بين الجانبين تتجلى بالملف السوري بزيادة التنسيق التركي مع روسيا وإيران وانفتاحاً أكبر على نظام الأسد في طريق تركي باتجاه واحد قد يكون لا مجال للرجعة منه لاحقاً.

المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي شبكة آرام ميديا

المصدر: نينار برس

اقرأ أيضاً: هل تفاهمت أنقرة وواشنطن سورياً؟

شاهد إصداراتنا: